فَرَّقَ الشيطان أكثر المنتمين للإسلام والسّنة إلى خوارج وقدرية ومرجئة وجهمية ومعتزلة وأشاعرة، وفرّق المتصوفة إلى شاذلية وقادرية ونقشبندية وسهروردية ودرقاوية، وما إلى ذلك وما بين ذلك، فهذه مجرّد أمثلة للتفرق في الماضي البعيد والقريب، ولا يَعْلم عدد هذه الفرق إلا الله، وإن حاول المؤلفون في الفرق وفق الحديث حصْر الضلال بما لا يتجاوز (72) فرقة كلّها في النار، وحَدَثَتْ بعد هذا الحَصْر فرق لا يجوز الحكم على أفرادها بالنار، وإنما يجب الحكم على مُحدثيها ومناهجها بالانحراف عن السنّة والجماعة، لأن الجماعة واحدة والحزب واحد على منهاج النبوة الذي لا يتبدل ولا يتغير حتى قيام الساعة.
ففي القرن الأخير ظهرت فرق جديدة تنتمي للإسلام، وللسنة المقيدة بمنهاج مؤسسيها {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]: الإخوان المسلمون وجماعة التبليغ، وتفرق الإخوان المسلمون إلى: تحرير، وتكفير وهجرة، وجهاد، وربما تظاهروا بالتفرق إلى بنائين يتمسكنون حتى يتمكنون، وإلى قطبيّين يجمعون الشباب على التكفير والانعزال عن بقية الأمة (المرتدة)، وبرز من بين هذه الفرق أفراد ورثوا حماس قادتهم وجهلهم وجُرأتهم على القول على الله وشرعه بلا علم؛ وعاثوا في الأرض فساداً وإفساداً للدين والدنيا مثل ابن لادن والزرقاوي، لم يُعرفوا من قبل ولا من بعد بعلمٍ ولا بعملٍ ولا بدعوة إلى الله على منهاج النبوة بل جرهم الحقد على الرّوس إلى أفغانستان بعونٍ من أمريكا، ثم جرّهم الحقد على أمريكا إلى قتل كثيرين من الأفارقة ثم العراقيين في سبيل قتل عدد قليل من الأمريكيين، واعتدوا على الآمنين في أمريكا فجرّوا الحرب إلى أفغانستان والعراق، وأساءوا إلى سمعة الإسلام والمسلمين بقدرٍ لم يصل إليه الأعداء.
ولا أعلم لهم قدوة إلاّ كارْلُس المرتزق، ونواب صفوى الشيعي، وقبلهما (بقرون) حسن الصّبّاح الإسماعيلي النزاري وقبله القرامطة والخوارج.
أمّا المنهاج النبوي في الدّين والدّعوة فيبدأ بالعلم، ثم العمل بالإتباع، ثم التبليغ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد يأمر ولي الأمر بالقتال إذا تحققت الفتنة في الدين {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] و(لتكون كلمة الله هي العليا)؛ فالقتال للشجاعة أو الحمية أو الغضب ليس في سبيل الله، وإنما هو في سبيل الهوى.
وعلى هذا فلا تكاد تجد في هذا العصر قتالاً لتكون كلمة الله هي العليا ولا لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فكل قادة الجهاد العصري وُلدوا بين أوثان المقامات والمزارات ونشأوا بينها ومات من مات منهم بينها دون أن تظهر لهم همة ولا دعوة إلى التزام توحيد الله بالعبادة، ولا همة ولا دعوة إلى ترك الأوثان القديمة الحديثة، فلم تكن آلهة قوم نوح إلاّ أنصاباً ومقامات بأسماء رجال صالحين كما ورد عند البخاري وابن جرير – رحمهما الله – عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ} [نوح: 23].
ولم يأمر بشيء من الجهاد المبتدع أحدٌ ممن ولاّه الله أمر المسلمين ولا قاده.
الاستثناء الوحيد: جميل الرحمن رحمه الله الذي ولاه الله الأمر في منطقة مهمّة من أفغانستان فأقامها على شرع الله، وحاربه المجاهدون المبتدعة جميعاً (وبالأخصّ: سيّاف والإخوان المسلمون) حتى قُتِل.
ولأني أحسن الظن بنية المسلم مهما ظهر لي من سوء قوله وعمله وفكره؛ لأن الله تعالى قال عن شر خلقه {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف: 30]، ولأني اخترت فقه العُذْر بالجهل؛ هداني الله إلى: عُذْرهم بجهلهم والاستغفار لهم، وبيان أخطائهم حتى لا يغتر بهم غيرهم وهم جادون في دعوة الناس إلى مناهجهم وقادتهم وأحزابهم، ولم أعاملهم بمثل سيّئ أعمالهم؛ ولكن ساءني تعمدهم إظهار الحق الذي ليس لهم وإخفاء الحق الذي عليهم وإليك المثال:
أ) يتسابق الحزبيّون والفكريون والحركيون إلى نشر رسالة باسم الشيخ عبدالعزيز بن باز غفر الله له ورحمه وأجزل له الثواب كتبها أحد الموالين لجماعة التبليغ إليّ يصفني بالشدة في محاولتي إصلاح حالهم، والمعروف أن الشيخ رحمه الله ورحمهم يُمْلي فتاواه ولا يُمْلي رسائله إذ ليست للرسالة أهمية الفتوى؛ فالفتوى عامة مقيدة بشرع الله لا يأتمن الشيخ عليها أحداً، والرسالة معرّضة لظنّ كاتبها وهواه.
ولذلك فقد أمر رحمه الله مستشاره وجامع فتاواه معالي د. محمد بن سعد الشويعر وفقه الله ألاّ يُدْخل الرسائل التي كُتِبَت باسمه (فيما يتعلق بالجماعات والأحزاب) ضمن مجموع الفتاوى والمقالات، وكذلك فعل جزاه الله خير الجزاء، فلا توجد الرسالة المذكورة ولا ما يماثلها بين الفتاوى.
ومكتب الشيخ رحمه الله يضّم عدداً من الكتّاب أعرف من أحدهم شدّة التعصب لجماعة التبليغ وأعرف من آخرين شدة التعصب لجماعة الإخوان المسلمين، والبقية بين هذا وهذا، وخَتْم الشيخ متداول بين عدد منهم ولا يُسْتبعد على المتعصّب خيانة ثقة الشيخ فيه وهو يخون الأمانة في شرع الله ومنهاج النبوة فيختار عليه شرع ومنهاج حزبه.
وقد يُقْرأ على الشيخ بعض الرسالة ويُهْمل بعضها كما حدث أمامي مرّة: قُرِئ على الشيخ أول وآخر رسالة كتبها أحد المنتمين إلى السّلف لصدام حسين يمدحه في حربه لإيران وتُرِك وسطها لأنه يطالبه فيه بالخضوع لكلمة الله.
ب) لكن الإخوان والتبليغ هداهم الله يُخفون أقدم فتاوى الشيخ ابن باز (ومعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود) في تحريم تعدّد الجماعات والأحزاب من فتاوى اللجنة الدائمة برقم (1674) في 7/10/1397هـ وفيها:
سؤال 1: (هل تجوز الأحزاب في الإسلام مثل حزب التحرير والإخوان المسلمين؟).
جواب 1: (لا يجوز أن يتفرّق المسلمون في دينهم شيعاً وأحزاباً... فإن هذا التفرّق مما نهى الله عنه ونعى على من أحدثه أو تابع أهله... قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159].
سؤال 2: (جماعة التبليغ أنشط بالدعوة ويتبعون السنة... الخ).
جواب 2: (جماعة التبليغ فيها نشاط في العمل بما تعتقد ووداعة في الأخلاق... ولكنها غلت في المسالمة والسلبية والإجمال في الدعوة حتى تركت الكلام في تفاصيل عقيدة التوحيد وهو أصل الإسلام وهو الذي بدأت به الرسل دعوتهم... وكان الجهادُ في سبيل الله نصرةً لدينه وإعلاءً لكلمته، ولم يُعْرف عنهم مجرّد الخروج والدعوة إليه الذي هو من المبادئ والأصول المعروفة عند جماعة التبليغ، ولم يُعْرف عن جماعة التبليغ أنهم وقفوا مواقف الرّسل في الدعوة إلى تفاصيل الشريعة أصولها وفروعها، إنما لديهم مجرّد خروج وإجمال في الدعوة لا يصل بمن يخرج معهم إلى وعي إسلامي أو معرفة بتفاصيل دينه، وليس في هذا إتباع لسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام).
(كتب المسودة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله).
ج) ويُخفي ويرفض الإخوان المسلمون فتوى الشيخ ابن باز (8/40 – 41):
سؤال: ما رأيكم في حركة الإخوان المسلمين؟ وما مدى توافقها مع منهج السنة والجماعة؟
الجواب: (حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواصّ أهل العلم، لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك وإنكار البدع... فكثير من أهل العلم ينتقدون على الإخوان المسلمين عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له وإنكار ما أحدثه الجهّال من التعلق بالأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم الذي هو الشرك الأكبر، وكذلك ينتقدون عليهم عدم العناية بالسنة وما كان عليه سلف الأمّة).
د) وتُخْفي وترفض جماعة التبليغ آخر فتاوى الشيخ ابن باز فيها (8/331) وفيها:
(جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرة بالعقيدة الصحيحة فلا يجوز الخروج معهم إلا لمن لديه علم وبصيرة بالعقيدة الصحيحة حتى يرشدهم وينصحهم).
هـ) وتُخفي وترفض الجماعتان فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله قبل أن يتوفاه الله بخمس سنين ضمن دروسه المسجّلة في شرح المنتقى بالطائف وفيها:
سؤال: هل جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين تدخُل في الفرق الهالكة؟
الجواب: (تدخل في الثنتين والسبعين فرقة؛ مَنْ خالف عقيدة أهل السنة دخل في الثنتين وسبعين فرقة؛ المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «وستفترق أمتي» أي: أمة الإجابة... اثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع).
و) وفي إظهارهم ما يهوون وإخفائهم ما لا يهوون مما يتعلق بالدين: عبادةٌ للهوى، وقد قال الله لمن هذا شأنه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] هدى الله الجميع لأقرب من هذا رشداً؟ (1428هـ).
|